احتراق وظيفي: أسبابه وطرق تلافي حدوثه

احتراق_وظيفي
Rahaf Murad
18 ديسمبر 2023

احتراق وظيفي: الدليل الشامل لفهمه والتغلب عليه

يتسم سوق العمل في أيامنا هذه بالمنافسة الشديدة والتحولات السريعة والضغوطات الكبيرة، حيث يجد الموظفون أنفسهم في سباق مستمر للتميز والبقاء ضمن مستويات الإنتاجية والجودة المطلوبة؛ فيبذلون جهدًا كبيرًا لتطوير مهاراتهم والخروج بحلول ابتكارية تساعدهم على تحقيق النجاح والتطور المهني، وتميزهم عن أقرانهم.

ومع هذا الجهد المستمر، قد يصل هؤلاء إلى مرحلة يتلاشى فيها ذلك الحماس، ويبتعد عنهم الهدف الذي كانوا يسعون لتحقيقه. فيبدؤون بالشعور بالتعب والإرهاق، وتختفي رغبتهم في العمل، حتى تصبح الأهداف السابقة أمورًا تافهة بالنسبة لهم.

هذا التدهور في المعنويات والأهداف وطرائق التفكير، والتحول السلبي في السلوكيات قد يكون علامة لمشكلة خطيرة شائعة بين الموظفين، تُدعى الاحتراق الوظيفي. لكن كيف يبدأ كل هذا؟ وكيف يصل بهم إلى هذه المرحلة من اليأس؟ وهل من طريقة للتغلب عليه ومنع حدوثه من الأساس؟

في هذا المقال، سنشرح هذه الحالة ونحلل أسبابها، ونعرف كيف يمكن التغلب على أي احتراق وظيفي قد يصاب به الموظفون. فتابع معنا قادم سطور مقالنا هذا.

ما هو الاحتراق الوظيفي؟

الاحتراق الوظيفي في مكان العمل هو مشكلة نفسية وعقلية مرتبطة بالمهنة، تنتج عن الإجهاد المزمن في مكان العمل، والذي لم تتم إدارته بالشكل المطلوب. يمكن قياس هذا الإرهاق الشديد وقياسه باستخدام أدوات وتقنيات مثبتة علميًّا، ومن علاماته الإرهاق العاطفي المستمر، والتصرفات السلبية والنأي بالنفس عن الآخرين في مكان العمل، والشعور بالعجز وعدم الكفاءة. 

كل ما سبق يؤدي إلى حالة لا تتم فيها إدارة الضغوطات المرتبطة بالوظيفة بفاعلية من خلال فترات الراحة الاعتيادية التي تقدم للموظفين، أو عطلات نهاية الأسبوع، والإجازات.

الاحتراق الوظيفي حالة إرهاق عادي، وإنَّما إرهاق نفسي وجسدي شديد يقتصر فقط على وظيفة الشخص أو مهنته، وهو أكثر إثارة للقلق وضررًا من الصعوبات  أو المضايقات اليومية التي قد نواجهها في حياتنا الاعتيادية ونتعامل مع معظمها بنجاح.

أبعاد الاحتراق الوظيفي

هناك ثلاثة أبعاد للاحتراق الوظيفي في مكان العمل:

  • الإرهاق النفسي الشديد والشعور باستنزاف الطاقة: هو أحد أهم أعراض الاحتراق الوظيفي، ويتمثل في الشعور الشديد بالتعب والضعف والإنهاك نتيجة الضغوط والمطالب والتوقعات التي تفرض على الموظفين. يؤثر هذا الإرهاق الشديد على الصحة البدنية والنفسية للموظف، ويقلل من قدرته على الإبداع والتعلم والتفكير النقدي. 

يمكن أن ينتج الإرهاق النفسي عن عوامل مختلفة، مثل: عدم الرضا عن العمل، أو عدم الوضوح في المهام والأهداف (أو كثرتها)، أو عدم السيطرة على القرارات، أو العلاقات السيئة مع المدير أو الزملاء، أو العمل في بيئة رتيبة مضطربة، أو عدم القدرة على الموازنة بين العمل والحياة الشخصية.

  • زيادة الانغلاق على الذات وظهور مشاعر سلبية أو ساخرة تجاه العمل: يتمثل هذا البعد في تجنب الآخرين في العمل، والتعامل معهم بطريقة باردة أو عدائية أو تهكمية، مما يؤدي إلى انخفاض الولاء والانتماء للشركة، وزيادة معدلات تغيب الموظف عن العمل، استقالته في نهاية المطاف. يمكن أن ينتج الانغلاق على الذات عن عوامل مختلفة، مثل: عدم الاحترام أو الاعتراف بالجهود التي يبذلها الموظف، أو الصراعات والتنافس السلبي مع الآخرين، أو الشعور بالعزلة أو الوحدة، أو عدم وجود دعم اجتماعي أو تعاون في العمل.
  • انخفاض الشعور بالكفاءة في العمل: يتمثل هذا البعد في الشعور بالفشل أو القصور في تحقيق الأهداف أو النتائج المرجوة من العمل، ويؤثر على ثقة الموظف بنفسه والشك بقدرته على إنجاز مهامه باستقلالية دون اللجوء إلى الآخرين، وضعف المبادرة وعدم الرغبة باغتنام فرص التطور المهني. يمكن أن يُعزى انخفاض الشعور بالكفاءة إلى عوامل مختلفة، أهمها عدم التوافق بين المهارات الشخصية والمتطلبات الوظيفية، أو عدم الحصول على تقييمات إيجابية عند القيام بعمل جيد، أو عدم وجود فرص للتعلم أو التقدم الوظيفي، أو عدم الاستفادة من الخبرات والإنجازات السابقة.

أسباب حدوث هذه الحالات عديدة، لعل أهمها كثرة أعباء العمل، وانخفاض مستويات الدعم، وعدم القدرة على إبداء الرأي، أو السيطرة المفرطة على شؤون مكان العمل، وبيئات العمل السامة وغير العادلة بين الأشخاص. أضف إلى ذلك الضغوطات المالية وحالة عدم اليقين المستمرة بشأن الأوضاع الاقتصادية؛ لذا ليس من المستغرب أنَّ معدلات الإرهاق الشديد والاحتراق الوظيفي آخذة في الارتفاع في العديد من أماكن العمل.

المراحل الخمس لأي احتراق وظيفي

احتراق_وظيفي

لا يحدث الاحتراق الوظيفي بين ليلة وضحاها، وإنَّما تتنقل الأفكار والمشاعر والأفعال عبر سلسلة من المراحل المختلفة. وفي حين قد لا تبدو المراحل الأولى عظيمة التأثير، لكنَّها قد تؤدي في النهاية إلى مرحلة احتراق وظيفي تسود حياة الموظف، وتُصعب عليه تنفيذ واجباته المهنية:

  • شهر العسل

مثلها مثل شهر العسل في الزواج الاعتيادي، تأتي هذه المرحلة مفعمة بالطاقة والتفاؤل ومشاعر الرضا. سواء كان الأمر يتعلق ببدء وظيفة جديدة، أم التعامل مع مهمة جديدة، فمن الشائع أن يشعر الموظف بنوع من فيض الطاقة الذي يؤدي إلى فترات من الإنتاجية والقدرة على الاستفادة من الجانب الإبداعي لديه، إلى أن يبدأ بالشعور بالتوتر من مهام وظيفية قد تُضاف إليه.

أهم ما يميز هذه المرحلة هو الرضا الوظيفي، والإنتاجية العالية، والرغبة في إثبات الذات لأرباب العمل، والاستعداد المبالغ فيه لقبول مسؤوليات جديدة، والثقة الزائدة في القدرة على تحمل مثل هذه المسؤوليات.

  • بدايات الإجهاد والتوتر

عاجلًا أم آجلًا، تبدأ مرحلة شهر العسل بالتضاؤل، ويبدأ الموظف بالشعور بالتوتر. هنا لا يسود الإرهاق كل ثانية من يوم الموظف، وإنَّما يظهر ذلك في أوقات متكررة. عندما تبدأ هذه المرحلة، يجب الانتباه لأي علامات جسدية أو عقلية. قد يبدأ الموظف في فقدان التركيز بسهولة أكبر، أو يصبح أقل إنتاجية في إكمال المهام. من الناحية الجسدية، يمكن أن يبدأ التعب في الظهور، مما يزيد من صعوبة النوم أو الاستمتاع بالأنشطة خارج أوقات العمل.

أهم ما يميز هذه المرحلة هو الصداع المتكرر وعدم القدرة على التركيز، والشعور بالانزعاج بسهولة، وتدني مستويات الإنتاجية، مما يصاحبه القلق بشأن ذلك، وتجنب اتخاذ القرارات، والنسيان وإهمال الاحتياجات الشخصية.

  • الإجهاد المزمن

هنا يصل الموظف إلى نقطة يصبح فيها التوتر أكثر حدة واستمرارية مع تزايد الضغوطات، ومن المرجح أن يؤثر ذلك باستمرار على عمله. تشمل الأعراض هنا مشاعر اللامبالاة، أو عدم إكمال العمل في الوقت المحدد، أو التأخر عن العمل أو المماطلة في إنجاز المهام. واجتماعيًّا، قد لا يشارك في العديد من المحادثات الاعتيادية ذات الصلة بالعمل؛ وذلك لعدم اكتراثه به. وفي حالات أخرى، قد يغضب من أتفه الأمور ويبدأ بالإساءة إلى زملاء عمله. وفي كثير من الأحيان، تتبعه هذه المشاعر إلى منزله، وقد تؤثر على علاقاته بعائلته أو أصدقائه.

أهم ما يميز هذه المرحلة هو استمرار الصداع وعدم القدرة على التركيز؛ تحديدًا في فترات بداية العمل وساعات الصباح الأولى، والتعب وكثرة المرض، والشعور المستمر بمشاعر السخط وعدم الرضا، والعصبية والميل إلى السلوك العنيف، والإقبال الشديد على تناول المنبهات مثل القهوة وغيرها.

  • حدوث احتراق وظيفي

في هذه المرحلة، يصل الموظف إلى الحد الأقصى من الإرهاق، ولا يعد في مقدرته العمل كما يفعل عادةً. هنا تبدأ مشاكل العمل في استهلاكه إلى درجة أن يصبح مهووسًا بها. في بعض الأحيان، قد يشعر بشك شديد في نفسه، وتصبح الأعراض الجسدية شديدة، مما يؤدي إلى حدوث صداع مزمن ومشاكل في المعدة وفي الجهاز الهضمي، وقد يلاحظ الأصدقاء وأفراد العائلة أيضًا حدوث تغيرات سلوكية عليه.

أهم ما يميز هذه المرحلة هو استحواذ مشاكل العمل على طريقة التفكير، وطريقة التفكير المتشائمة تجاه الحياة عمومًا، والعمل خصوصًا، وانعدام الثقة بالنفس.

  • اعتياد الاحتراق الوظيفي

إذا ترك الاحتراق الوظيفي دون علاج، فقد يصبح جزءًا من الحياة اليومية للموظف، ويؤدي في النهاية إلى إصابته بالقلق أو الاكتئاب المزمن. هنا يبدأ الموظف بالشعور بالتعب العقلي والجسدي المزمن الذي يمنعه من العمل، مما يعرض حياته المهنية للخطر إذا ما واصل السير في هذا المسار.

ما الذي يمكن للموظفين والشركات القيام به؟

لا يكفي مجرد التركيز على العامل الذي يواجه مشكلة، بل يجب أن يكون هناك عناية بظروف العمل المحيطة التي تشكل مصادر المشكلة. 

  • ما يمكن لأرباب العمل القيام به

يجب على أرباب العمل أن يحددوا ما إذا كانت تحدث أي حالة احتراق وظيفي في مؤسستهم من خلال عمل دراسات استقصائية مدروسة ومنهجية بشكل دوري، مع متابعة أعباء العمل، التي تفرض على موظفيهم والتحقق من أدائهم بانتظام، وتشجيعهم على الاستفادة من الإجازات، وإلقاء نظرة فاحصة على الممارسات والمنهجيات التي تتبعها شركاتهم لضمان أنَّها تمنح العاملين لديها المرونة والقدرة على التحكم والموارد اللازمة لإدارة أعباء وضغوطات العمل.

  • ما يمكن للموظفين القيام به

إعطاء الأولوية للرعاية الذاتية، بما في ذلك السلامة الجسدية والعاطفية، ووضع الحدود المناسبة بين العمل والحياة الشخصية، بما في ذلك فصل أنفسهم بشكل كامل عن التفكير في العمل لفترات زمنية معقولة. في مقابل إعطاء الأولوية للعلاقات الاجتماعية. كما يمكنهم التحدث لرب العمل عن أي مسببات للضغط والإزعاج في العمل، ومحاولة التوصل لحل لها، وطلب المساعدة من متخصصين إن دعت الحاجة لذلك.

في الختام

لا يقتصر الاحتراق الوظيفي على الإرهاق الشديد فحسب، بل يمثل مشكلة ذات أبعاد متعددة تستدعي إيجاد حل شامل. يتطلب التغلب على هذه المشكلة تشخيصًا دقيقًا من الموظف أولاً فيما لو كان يعاني من احتراق وظيفي من أي درجة كانت، يليه بذل أقصى جهد لتحقيق التغيير. وإذا وجد نفسه يفشل رغم كل الجهود التي يبذلها، فقد يكون بحاجة إلى إعادة تقييم مسار وظيفته، لتحديد ما إذا كان في المكان الصحيح الذي يناسب مهاراته وتطلعاته.

احجز تجربتك الآن

جميع الحقوق محفوظة لشركة إيسار لتقنية المعلومات © 2024